مقالات

أشرف رضوان يكتب: مصر والتوجُّه الآسيوي.. إدارة الأزمات وتوسيع خيارات المستقبل

 

تفرض التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على مصر معادلة دقيقة: حماية الأمن القومي في محيط مضطرب، وبناء اقتصاد دينامي يمتلك القدرة على تحمل الصدمات وتمويل التنمية. وفي هذه المعادلة، تتداخل السياسة الخارجية مع احتياجات الداخل؛ فاستقرار الحدود وأمن الملاحة وتدفقات الاستثمار حلقات مترابطة، تؤثر في قدرة الدولة على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة. ومن هنا، يكتسب توسيع الشراكات الدولية أهميته بوصفه وسيلة لتعزيز القدرة على الاختيار، وتقليل انكشاف الاقتصاد أمام تقلبات الخارج.

وفي هذا السياق، جاءت جولة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، التي بدأت في السادس من أكتوبر 2026 وشملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، لتفتح مجالًا لتعميق العلاقات مع شرق آسيا وجنوب شرقها. وقد استهدفت الجولة تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري مع الدول الثلاث، بما يعكس حضور الاعتبارات التنموية في التحرك الدبلوماسي المصري.

ويمكن فهم توقيت هذا التحرك في ضوء ثلاثة اعتبارات متداخلة: أولها، حاجة مصر إلى توسيع مصادر الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق، بما يخفف اعتمادها على دوائر محدودة. وثانيها، أن اضطرابات الإقليم تبرز ضرورة بناء موارد اقتصادية أكثر تنوعًا، تستطيع امتصاص تقلبات التجارة والنقل والإيرادات الخارجية. وثالثها، أن إعادة توزيع بعض الأنشطة الصناعية عالميًّا تتيح للقاهرة فرصة السعي إلى جذب استثمارات تبحث عن مواقع إنتاج قريبة من أسواق متعددة. وهذه قراءة لدوافع التوقيت، يتوقف اختبارها على طبيعة المشروعات التي تُنفَّذ لاحقًا.

ويمنح اختيار الدول الثلاث هذا التوجه تنوعًا مفيدًا؛ فالتعاون مع كوريا الجنوبية يتيح استكشاف فرص أوسع في الصناعات المتقدمة والتطبيقات التكنولوجية. وقد تضمن برنامج الجولة لقاءات مع ممثلي 23 شركة من كبرى الشركات الكورية، ضمن مساعي تعزيز الشراكات الاقتصادية واستقطاب استثمارات صناعية، لاسيما أن الاستثمارات الكورية في مصر قفزت إلى 736 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/ 2026، في حين سجل التبادل التجاري بين البلدين نحو 874 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026. وتتمثل المصلحة المصرية في ربط هذه الاستثمارات بتدريب العمالة، وتأهيل الموردين المحليين، وزيادة القدرة على تصنيع المكونات وصيانتها؛ حتى يمتد أثرها إلى النسيج الإنتاجي المصري.

أما ماليزيا، التي بلغ حجم التبادل التجاري معها نحو 495 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، فتتيح خبراتها في الإلكترونيات والتمويل الإسلامي وصناعة المنتجات الحلال مجالاتٍ محتملةً لتعاون أكثر تخصصًا.

وتحتاج الاستثمارات الماليزية في مصر، التي سجلت نحو 6.6 مليون دولار خلال العام المالي 2024/ 2025، إلى قفزة نوعية تعكس إمكانات البلدين. ويمكن لمصر دراسة الاستفادة من هذه الخبرات في تطوير الصناعات الغذائية والدوائية، وتحسين نظم الجودة والاعتماد، وتنويع أدوات تمويل المشروعات وفق جدواها ومخاطرها. كما يستحق التعاون في الأنشطة التكنولوجية اختيار مراحل إنتاجية تتناسب مع القدرات المحلية، ثم التوسع فيها تدريجيًّا، بالتوازي مع تطوير التعليم الفني والبحث التطبيقي.

وفي المحطة الإندونيسية، التي شملت زيارة رسمية يومي العاشر والحادي عشر من أكتوبر، برز مجال إضافي لبناء علاقات ممتدة تدعم الشق الاقتصادي؛ إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز 1.6 مليار دولار خلال أول 8 أشهر من عام 2026، وسجلت الاستثمارات المصرية في إندونيسيا نحو 145.9 مليون دولار. فقد اتفق الجانبان على توسيع التعاون التعليمي والثقافي، والشراكات الأكاديمية، وبرامج التبادل وبناء القدرات.

ويمكن لهذا المسار أن يدعم التعاون الاقتصادي على المدى الطويل، من خلال إعداد كوادر تعرف أسواق البلدين ولغتيهما واحتياجاتهما، وتستطيع تسهيل التواصل بين الشركات والمؤسسات.

ويحمل التوجه الآسيوي بُعدًا سياسيًّا أيضًا؛ إذ يتيح توسيع دوائر التشاور بشأن الأزمات الإقليمية، وربط الاهتمام باستقرار الشرق الأوسط بالمصالح الاقتصادية للشركاء. وقد أكدت المباحثات المصرية-الماليزية أهمية التسوية العادلة للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ويمكن البناء على هذا التقارب لدعم تحرك دبلوماسي أكثر اتساعًا، مع إدراك اختلاف أولويات الشركاء وحدود تأثيرهم.

ومع ذلك، تواجه هذه الفرص اختبارًا داخليًّا حاسمًا؛ فالمستثمر يحتاج إلى وضوح القواعد، وسرعة تسوية الإجراءات والمنازعات، وانتظام الخدمات، والقدرة على تقدير التكاليف. كما تحتاج الشركات المصرية، ولاسيما الصغيرة والمتوسطة، إلى التمويل والتأهيل الفني كي تصبح شريكًا في المشروعات الجديدة. ويظل تيسير المنافسة وتكافؤ الفرص عنصرين أساسيين في تحويل الاستثمار الأجنبي إلى نشاط إنتاجي واسع الأثر.

وثمة تحدٍّ آخر يتعلق بنوعية الاستثمار وشروط تمويله. فالمشروعات التي تعتمد بدرجة مرتفعة على مدخلات مستوردة قد تزيد الطلب على النقد الأجنبي قبل أن تولّد عائدًا تصديريًّا كافيًا. كذلك، تستلزم القروض المرتبطة بالمشروعات تقييمًا دقيقًا لقدرتها على السداد، فيما يتطلب نقل التكنولوجيا ترتيبات واضحة للتدريب والتطوير وإتاحة المعرفة. ومن ثم، ينبغي أن تدخل هذه العناصر في التفاوض منذ البداية.

وتستدعي المنافسة الدولية على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد قدرًا مماثلًا من الحذر. فتنويع الشركاء يحقق فائدته حين تتوافر بدائل فعلية للمكونات والخدمات الحيوية، وتتعزز القدرة المحلية على الصيانة والإنتاج. كما أن استدامة التعاون تقتضي فهم مصالح الطرف الآسيوي: ما الذي يجعل الإنتاج في مصر مجديًا له؟ وما الذي يبقى داخل الاقتصاد المصري من قيمة ومهارات وفرص عمل؟ وتتيح الإجابة الدقيقة صياغة شراكات متوازنة وقابلة للاستمرار.

وبناء على ما سبق، تمثل الجولة الآسيوية فرصة لتطوير الصلة بين الدبلوماسية والتنمية، ويُقاس نجاحها بما يتبعها من تنفيذ. وهذا يتطلب تحديد أولويات قطاعية، ومسؤوليات مؤسسية، وجداول زمنية، ومؤشرات تتابع حجم الاستثمار المنفَّذ، ونسبة المكون المحلي، والصادرات، وفرص العمل المستدامة. وبقدر ما تظهر هذه النتائج في الإنتاج والدخل والخدمات، تتعزز الثقة المجتمعية في جدوى الانفتاح الخارجي، وتتسع قدرة مصر على إدارة أزماتها وبناء مستقبلها.


محرر أول للغة العربية بمركز تريندز للبحوث والاستشارات – أبوظبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى