د. محمود محى الدين يكتب: الاستثمار فى أفريقيا
المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل برنامج التنمية المستدامة


ترجمته عن الفرنسية:
د. يسرا محمد مسعود
يقول الدكتور محمود محي الدين: عانت القليل من مناطق العالم عمليات نهب مماثلة مثل التى شهدتها أفريقيا أثناء العصر الاستعمارى، هذه الحوادث للسرقة والاستغلال أعادت إلى ذهنى حينما دعيت لإلقاء خطاب خلال “منتدى العلمين-أفريقيا للأعمال”.
فمن المعتاد فى المنتديات الاقتصادية ذكر أفريقيا مع إبراز موادها الأولية ومواردها الطبيعية النابعة من محاجرها ومناجمها، كذلك الإمكانيات الزراعية التى تقدمها أراضيها من أجل المحاصيل الزراعية. إن هذه الموارد التى كانت تغذى فى الماضى الصناعة الأوروبية تزود اليوم المصانع الآسيوية.
ومن الضرورى على كل حال التشديد على أن الميزة الرئيسية لأفريقيا لضمان تقدمها تكمن فى رأس مالها البشرى؛ فيبلغ عدد سكان القارة فى الحقيقة 1.5 مليار نسمة، وهو أكثر من عدد سكان الهند التى تبلغ 1.45 مليار، والصين التى يبلغ عدد سكانها ما يقرب من 1.42 مليار نسمة، بالإضافة إلى ذلك، فإن السكان الأفارقة يتميزون بشبابهم الذين يبلغ متوسط أعمارهم 19 عاماً، فى مقابل 28 عاماً فى الهند و40 عاماً فى الصين.
وبالرغم أن السكان الأفارقة يمثلون أكثر من 19% من سكان العالم، فمن المؤسف أن حصة القارة فيما يتعلق بالإنتاج العالمى لا يتعدى 3%. إن هذه النسبة هى أيضاً أكثر ضعفاً فى مجال الإنتاج الصناعى وتقل بصورة متزايدة حينما يتعلق الأمر بالمنتجات التكنولوجية. وبمفهوم آخر، فإن أفريقيا يجب أن تضاعف إنتاجها إلى 6% لتصل إلى حصة أكثر عدلا من الناتج العالمى، وهذا يتطلب استثمارات كبيرة فى رأس المال البشرى، وكذلك الاستثمارات فى البنية التحتية والتكنولوجيا. وتكمن الأزمة فى الحجم والنوعية والثمن للاستثمارات الضرورية لتحفيز النمو.
فى الحقيقة، فخلال العقدين اللذين سبقا جائحة كوفيد 19، فإن النمو بأفريقيا لم يتعدى متوسط 5%، بينما بلغ 9% فى الصين و7% فى الهند. إن بعض الحكومات الأفريقية تستشهد غالباً بهذه الصدمات الخارجية لتبرر التراجع لأدائها الاقتصادى. فإن هذه الصدمات لا تكفى لشرح ضعف النتائج التى تم التوصل إليها. فيكمن السبب الحقيقى غالبا فى الإدارة الاقتصادية التى ينقصها التعقيد والتماسك فى الاختيارات السياسية والمتانة المؤسسية والانضباط.
إن القارة فى حاجة للاستثمار فى البنية التحتية، خاصة فى مشاريع الطاقة، بما لا يقل عن 155 مليار دولاراً سنوياً من أجل مضاعفة إنتاجه الداخلى الخام من الآن وحتى عام 2040. ولكن الاستثمارات المحققة لم تتعدى 83 مليار دولاراً وتمثل الاحتياجات ما يقرب من ضعف المبالغ المستثمرة حالياً، وفق التقرير حول ديناميكيات البنية التحتية.
ويزداد الوضع تعقيدا مع ارتفاع تكلفة الاستثمارات في أفريقيا، ليس فقط بسبب مخاطر المشاريع وعدم الاستقرار السياسي في بعض البلدان، ولكن لأن تقييم المخاطر لا يزال متأثرا بالتصورات التي عفا عليها الزمن والرؤى المتشائمة التي تناقضها الواقع مع ذلك.
إن تكلفة رأس المال فى أفريقيا تتعدى 13%، فى مقابل 8% فى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. ومع ذلك، فإن معدل التخلف عن السداد للديون المرتبطة بالبنية التحتية الأفريقية لا تتعدى 2%. إن معدلات التعثر تبقى بوجه عام ضعيفة وإن آفاق التعافى تتحسن وفق قاعدة بيانات الائتمان فى الدول النامية والأسواق الناشئة والمحدثة كل عام من قبل المؤسسات المالية الدولية.
وعلى كل حال، فلا يجب نسيان أن أفريقيا ليست دولة وحيدة، لكنها قارة مكونة من 54 دولة، تقدم إمكانيات للاستثمار والعائدات والتكاليف ومخاطر متغيرة جداً. إن قدرة الدول الأفريقية لجذب الاستثمارات يعتمد حتماً على قدرتها فى توسعة أسواقها وزيادة التبادلات بين الدول الأفريقية والتى لا تمثل فى المتوسط سوى 15% من مجموع التبادلات التجارية مع باقى العالم. وينبغي تعزيز هذه الديناميكية في المستقبل من خلال آليات التيسير القائمة، ولا سيما من خلال إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. وأن النتائج المرجوة لا تستطيع أن يتم بلوغها إلا بشرط خفض التكاليف للأنشطة الاقتصادية وتقوية المنافسة وتخفيف الأعباء الإدارية ومكافحة الفساد ومعالجة الضعف المؤسسى. ويجب أيضاً اتقان أدوات التحول الرقمى وكذلك ركائز الاقتصاد.
المصدر :
https://french.ahram.org.eg/NewsContent/4/132/94451/Opinion/Opinion/Investir-en-Afrique.aspx




