د. نيفين مسعد تكتب: إعادة توازن موازين القوى فى الشرق الأوسط

ترجمته عن الفرنسية
د. يسرا محمد مسعود
العلاقة بين إيران والعراق هى علاقة معقدة على جميع المستويات. فعلى المستوى السياسى نلاحظ تنافس متزايد بين الولايات المتحدة وإيران للتحكم فى العراق، بينما الدولتين قد تعاونوا من قبل لقلب النظام البعثى. وتعتمد الإدارة الأمريكية على الدور المهم للعراق فى إقامة روابط تجارية واقتصادية بين دول المنطقة فى إطار إعادة توازن موازين القوى فى الشرق الأوسط.
ويشمل ذلك إعادة تنشيط خط أنابيب كركوك – بانياس، الذي يهدف إلى نقل نحو مليوني برميل من النفط العراقي يوميا إلى الساحل السوري، ثم إلى أوروبا. ومن المرجح أن يضمن هذا الإجراء إمدادات الطاقة ويتحايل على رافعة الضغط الإيرانية عبر مضيق هرمز. يصاحب التنسيق العراقى-السورى التنسيق العراقى-التركى خلال طريق التنمية، وشبكة طرق واسعة تهدف لنقل البضائع والمسافرين من ميناء الفاو فى جنوب العراق حتى الشواطىء التركية ثم إلى أوروبا، بينما تسعى إيران إلى إحياء مبدأ الجبهة المعارضة وتحاول أن تجر سوريا إلى حرب ضد حزب الله على الآراضى اللبنانية.
عندما جاء رئيس الوزراء العراقى، على الزيدى، إلى واشنطن، تفاخر الرئيس الأمريكى بأنه أمر باغتيال قائد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني و”شخص شرير آخر”، في إشارة إلى نائب قائد قوات التعبئة الشعبية. وكان الغضب أقوى على الجانب الإيراني. وانتقد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للشئون الدولية، سلوك علي الزيدي خلال الزيارة، ووصفه بأنه مبتدئ وخائن لدماء الشهداء. وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي للزيارة، أشارت بعض الفصائل المسلحة إلى أن آية الله العظمى علي السيستاني حظر أي علاقة مع الشركات الداعمة للكيان الصهيوني.
وهو ما يعني نزع أي شرعية عن الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين ترامب والزيدي. وفي المقابل، تساءل مؤيدون عراقيون آخرون عن سبب عدم اندلاع أي مظاهرات واسعة النطاق ضد هذه الاتفاقيات، على غرار المظاهرات الحاشدة التي شهدها العراق عام 2019.
وقد اكتسب العراق أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران بعد انهيار نفوذها في سوريا، بالنظر إلى الأهمية الجيوستراتيجية التي يمثلها العراق. فقد أدى هذا الانهيار، في الواقع، إلى تشديد الرقابة على عمليات تهريب الأسلحة والمقاتلين والمخدرات بين سوريا ولبنان. وانتقلت سوريا من كونها تمثل العمق الخلفي لإيران إلى أن أصبحت ساحة مواتية للتوسع الإسرائيلي ولنفوذ الجماعات المتطرفة، وهو ما يشكل تهديدًا خطيرًا للأمن القومي الإيراني.
وعندما اندلعت المرحلة الثانية من الحرب ضد إيران، اكتشفت الجمهورية الإسلامية أن المعارضة الكردية المتمركزة في العراق يجري توظيفها وتسليحها من جانب الولايات المتحدة بهدف إسقاط النظام، فضلًا عما يتردد منذ فترة طويلة بشأن النشاط الإسرائيلي في كردستان العراق. وقد أدى ذلك إلى انتقال المواجهة مع الولايات المتحدة إلى مستوى أعلى، وجعل إقليم كردستان هدفًا لهجمات إيرانية متكررة.
وبالمثل، يتجلى الدور المتزايد المحورية للعراق في الاستراتيجية الإيرانية من خلال توسيع قائمة أهداف الفصائل المسلحة العراقية الموالية لها؛ إذ لم تعد هذه الفصائل تكتفي باستهداف المصالح الأمريكية في العراق، وإنما أصبحت تستهدف أيضًا مصالح حلفاء الولايات المتحدة خارج الحدود. وقد كشفت الهجمات السعودية والأمريكية على العراق أن هذه الفصائل لا تقاتل بمفردها، وإنما إلى جانب ضباط من الحرس الثوري الإيراني، ومقاتلين حوثيين، وأفغان.
كذلك، اعتُبرت مراسم التشييع العراقية الحاشدة التي أُقيمت تكريمًا للمرشد الأعلى الإيراني السابق، والتي تجاوز حجمها وتنظيمها توقعات الإيرانيين أنفسهم، ردًا على من تحدثوا عن انتهاء النفوذ الإيراني في العراق؛ وهو خطاب يكشف عن عدم فهم لطبيعة الروابط القائمة بين البلدين.
وفي هذا السياق الذي يشهد حالة من الحراك الديني المتصاعد، ارتفعت أصوات عراقية تؤكد أن الوقت قد حان لإنشاء دولة كونفدرالية تجمع العراق وإيران. وهو ما يبتعد كثيرًا عن رؤية الزيدي لمستقبل العراق، والتي تقوم على تحقيق التوازن بين نفوذ حلفائه الإيرانيين والأمريكيين.
فبعد أقل من عشرة أيام على زيارته إلى واشنطن، توجه الزيدي إلى طهران، حيث وقع اتفاقيات للتعاون، كان من أهمها مشروع الربط البري بين كرمانشاه وبغداد، إلى جانب اتفاق توأمة على مستوى الإدارة المحلية بين عاصمتي البلدين.
وهذه النقطة تحديدًا أثارت تساؤلات في العراق بشأن سبب اختيار بغداد التوأمة مع طهران، بدلًا من عاصمة عربية أخرى، بل وحتى عاصمة أوروبية. وعندما ترددت إيران بشأن إعفاء العراق من أي قيود على الملاحة في مضيق هرمز، أُثيرت أيضًا مسألة مدى جدوى العلاقة مع إيران.
ويمثل الجدل الداخلي والخارجي في العراق الوجه الآخر من كفاحه من أجل توحيد مركز اتخاذ القرار في ما يتعلق بالحرب والسلام، بما يتوافق مع المصلحة الوطنية وليس مع التوجيهات الخارجية. وهذه المهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.
وللمرة الأولى، تُظهر القوى الرئيسية الموجودة في العراق إرادة سياسية تهدف إلى حصر احتكار السلاح في الدولة. غير أن ذلك يتطلب أيضًا توفير بيئة عربية مواتية، حتى لا يُترك العراق فريسة للتجاذبات بين الولايات المتحدة وإيران.
فبعد تشديد الخناق على الفصائل المتمردة لإجبارها على تسليم أسلحتها، أعادت الضربات السعودية والأمريكية على مواقع قوات الحشد الشعبي إليها زخمًا جديدًا، وأوقعت الحكومة العراقية في حرج بالغ، لا سيما بعدما أعلن دونالد ترامب أن الحكومة العراقية كانت قد أُبلغت بالهجوم مسبقًا.
ويشكل هذا التصريح دليلًا جديدًا على ارتباك السياسة الأمريكية، التي تطالب من جهة بأن تحتكر الحكومة العراقية السلاح، بينما تزج بها من جهة أخرى في الصراع مع إيران.
وسيكون من الحكمة أن تمتنع الدول العربية المجاورة عن الانخراط في هذا الصراع، وأن تسهم في تعزيز الحكومة العراقية وترسيخ شرعيتها، وأن تعمل على تنويع علاقاتها معها، وتقديم بدائل لها، ولا سيما في مجال الطاقة.
المصدر:


