مقالات
زهرة شوشة تكتب: فخ الكمال.. عندما يكون السعي للمثالية طريقًا للفشل

{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
في عالم تحكمه الصور اللامعة على وسائل التواصل الاجتماعي والمهام اليومية المتخمة بالإنجازات يقع كثير من الناس في فخ خطير اسمه “الكمال”. نظنه طموحًا شريفًا وسعيًا نحو الأفضل لكنه في الحقيقة قد يتحول إلى سلاسل نفسية تعرقلنا بدل أن تدفعنا للأمام.
فالكمال، ببساطة وهم لا يُدرك. ومع ذلك يسعى البعض إليه وكأنه شرط أساسي للقبول أو للنجاح أو للحب. نجلد ذواتنا على كل تقصير مهما كان صغيرا، لأننا نلاحق نسخة مثالية من أنفسنا لا وجود لها. نرفض نتائجنا لأننا نظن أن الأفضل دائما ممكن وإن لم نصل إليه فنحن فاشلون. لكن الحقيقة أن السعي وراء الكمال لا يؤدي إلى التفوق بل إلى الإنهاك وربما الانهيار.
كثيرون ممن يرفعون سقف توقعاتهم إلى حد السماء يعانون من القلق المزمن وتأنيب الضمير والشعور بعدم الكفاية. فالكماليون لا يحتفلون بإنجازاتهم لأن أعينهم لا ترى إلا ما كان يجب أن يفعل بطريقة أفضل. في المقابل التميز شيء مختلف تماما. التميز يعني أن تبذل أفضل ما لديك في إطار حدودك البشرية لا خارجها. أن تتطور بواقعية لا بخيال وأن تحتفي بالتقدم، بالكفاح، بالتعلم من الخطأ. أما الكمال، فيرفض كل ذلك لأنه لا يعترف بشيء سوى الصورة النهائية الخالية من النقص.
الفرق بينهما دقيق لكنه فارق حياة. أن تدرك أن الخطأ لا يقلل من قيمتك وأن النقص لا يلغي استحقاقك. “رحم الله امرئ عرف قدر نفسه فرحمها” أول خطوة للنجاة من خدعة “الكمال” التي تسوقها لنا الشاشات والإعلانات. الرحمة بأنفسنا في عالم لا يهدأ نمنح أرواحنا الرحمة لأن النجاح لا يعني الكمال.. بل يعني أن نستمر.. أن نتعلم، أن نحيا..أن نصدق، وأن نعرف أن الله كلفنا على قدر وسعنا … لا أكثر.





