“الصحفيين” تناقش “هيكل وبهاء – ترويض السلطة” .. قراءة لـ “علي النويشي” في علاقة الصحافة بالحكم

تستضيف نقابة الصحفيين ، الإثنين المقبل، مناقشة موسعة لكتاب “هيكل وبهاء – ترويض السلطة” للكاتب الصحفي علي النويشي، وذلك بحضور نخبة من أساتذة الصحافة والتاريخ، إلى جانب أسرتي محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين، وحشد كبير من الكُتاب والصحفيين، في فعالية تعكس الاهتمام المتجدد بإعادة قراءة تاريخ الصحافة المصرية وعلاقتها بالسلطة.
وأوضح الكاتب الصحفي علي النويشي أن الكتاب سرد موازي لقصة الصحافة المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين ، وأنه يحوي عشرة فصول يستعرض علاقة كلا من الأستاذ هيكل والأستاذ بهاء بالسلطة، وفي الخلفية تظهر شخصية كلا من الرئيسين جمال عبدالناصر والسادات ورؤية كلا منهما للصحافة ، وعلاقة الصحافة بالسلطة ، ومراوحتها بين المنح والمنع والرقابة ، وتتوازى كلا من هيكل وبهاء مع معاركهما النقابية ، حيث كتب هيكل أقوى معركة ضد المصروفات السرية قبل ثورة 1952 ، في حين كانت بطولة الأستاذ بهاء في تحدي سلطة الرئيس عبدالناصر ونظامه وهو يصدر بيان مساند لمظاهرات الطلاب في سنة 1968 وكان وقتها يشغل منصب نقيب الصحفيين .
ويشير النويشي إلى أن الكتاب يسرد صداقتهما وعلاقتهما بشخصيات أدبية وتاريخية مهمة مثل الدكتور جمال حمدان وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ، وكيف وقفا كالحائط الصلب في مواحهة السلطة دفاعا عن عدد كبير من الصحفيين .
ويتابع النويشي، ” أنا وهيكل صديقان على المستوى الشخصي والمهني والعائلي ” ، هذا ما قاله الأستاذ بهاء للرئيس السادات في أول خلافهما ، وفي أوج غضب السادات الشديد على الأستاذ هيكل ..
ويستكمل النويشي وصفه قائلا، في عملهما بالأهرام أو بالهلال أو روز اليوسف أو أخبار اليوم ، كنت ترى وتتابع ، كيف يتحاورالصديقان ” هيكل وبهاء “، بالتزام صارم بالموضوعية ، مع احترام متبادل ، ومنافسة على تقديم أفضل خدمة للقارئ، فقد كان الجزء الظاهر من علاقتهما صغير جدا لكونهما يفصلان الجانب الشخصي عن الشأن العام ، فهي علاقة أشبه بجبل الثلج ، الخفي منها أكبر من الظاهر، وبالرغم من مكانتيهما في بلاط صاحبة الجلالة، لم نعرف عن علاقتهما سوى القليل جدا ..
ويضيف النويشي، مانعلمه عنهما ، أن كلاهما كان يقدر الأخر، ويعرف كل واحد منهما قدر صاحبه وكفاءته ، وتربطهما علاقة عميقة ، وتربعا معا على قمة أعلى المناصب الصحفية ، لكن فوق المناصب ، كانا مجدهما الشخصي في الخروج من المنصب إلى الهواء الطلق ، حيث لاحدود ولاسدود ، ولا ألم .. ولكن هيهات !!
كما يوضح النويشي أن الأستاذان ” هيكل ” و ” بهاء ” كانا صديقين كبيرين ، ومثلا معا حالة صداقة فريدة في الوسط الصحفي ، بما لهما من رؤية عميقة للأمور ، ويتمتعان بصفات كثيرة مشتركة من حيث القناعات والإخلاص والعمل بداب شديد ، وهما وإن لم يعملا معا إلا في عمر متأخر نسبيا ، إلا أنهما شغلا نفس المناصب تقريبا ، بل وعملا في نفس الأماكن ، إلا من اختلافات طفيفة جدا ، فهما معا ترأسا تحرير صحيفتي الأهرام والأخبار ، وهما معا كانا من كتبة خطابات الرئيس ، وهما معا نالهما العقاب والتنكيل والاعتقال والحبس أحيانا ، وهما عملا وإن لم يكونا معا في روز اليوسف ( وإن كانت فترة عمل الأستاذ هيكل بها قصيرة بصورة لاتذكر كثيرا ) والخلاف أن الأستاذ هيكل لم يعمل بدار الهلال، والأستاذ بهاء لم يعمل في أخر ساعة ..
ويتابع النويشي، وكانت حياتهما منذورة للصحافة ، وهي كل حياتهما تقريبا ،وهي حياة رصد بعض وقائعها الكثير من الكتاب والمحللين ، وعنهما يقول الدكتور جابر عصفور الذي عاصر مسيرة الصحافة منذ الخمسينيات ، وكان أحد المهتمين بها ، ويرى الصورة من قريب جدا ، وكتب في في عدد خاص صدر عن الأستاذ هيكل بمجلة الهلال ديسمبر 2012
ويقول، ” لم يهب أحد نفسه للصحافة من هذا الجيل سوى اثنين ، هما : أحمد بهاء الدين ومحمد حسنين هيكل ، فكلاهما قد بذل نفسه للصحافة راضيا، وكلاهما لم يكف عن الحلم بتطويرها وتوسيع افقها وتعميق رؤيتها ، وقد شاءت إرادة الله أن يرحل أحمد بهاء الدين سنة 1996 تاركا إنجازا صحفيا وفكريا باهرا . ولايمكن لأحد أن ينكر دوره الاستثنائي في تطوير مجلات مثل ” صباح الخير ” و ” العربي ” فضلا عن الأهرام نفسها ومن قبلها المصور الذي جعل منها أهم مجلة عربية بما تطرحه من قضايا عربية ومصرية وإنسانية ـ فضلا عن كتبه العديدة التي تحمل بصماته التي لا تنسى
ويضيف النويشي، وكان الأستاذ هيكل مقدرا لموهبة أحمد بهاء الدين ، عارفا لفضله ، مستوعبا لإنجازه الفكري، فقدم له مناجيا وناعيا في أربعة كتب ، عندما دخل في محارة الصمت والمرض ، وهم : ” يوميات هذا الزمان ” و ” المثقفون والسلطة في عالمنا العربي” من حملة مشاعل التقدم في العالم العربي – أحمد بهاء الدين ” و ” حرب الخليج ” .
ويتابع ، وهنا نعرض لـ هيكل الصحفي ، أوبالمعني الذي أراده وأحبه ” هيكل الجورنالجي ” الذي يصفه الصحفي الفرنسي إيف غو في كتابه ” إسرائيل تهاجم ” أنه واحد من أقرب مؤتمني الرئيس ، وكانت مقالاته الطويلة التي تصدر كل يوم جمعة بعنوان ” بصراحة ” في جريدة الأهرام ، تبشر بكل الأزمات ،وتهيئ لكل التصفيات السياسية ، وتمكن من التكهن بمضمون وتيرة الخطاب المقبل للرئيس .
ويضيف ، فالرجلان يعيشان منذ فترة طويلة حالة تكامل فكري، وهيكل يلتقط بسرعة الأفكار التي يطلقها الرئيس ، يجسدها ويعطيها مضمونا عقائديا ، فالصحفي يعكس أفكار رئيس الدولة ، وهو في الواقع غالبا ما يقولبها ” .
كما يشير النويشي إلى أن مسيرة هيكل من الصحافة إلى السياسة شكلت بوابة استطاع من خلالها الدخول إلى صفوف الطبقة الحاكمة ، وأن يصبح جزءاً من النخبة السياسية المصرية انطلاقا من عشقه للكتابة والصحافة أولا ، ومصر والسياسة ثانيا .
ويضيف، وكان الأستاذ هيكل أحد الصحفيين القلائل الذين اكتشفوا أن السياسة تحتاج إلى الإعلام ، والعكس بالعكس ، ويعزى ذلك قدرته على إقامة علاقات دقيقة مع الرئيس عبدالناصر ، علاقات لعبت فيها المهارة الصحفية دورا كبيرا جعلته موضع اعجاب عبدالناصر طيلة ثمانية عشر عاما .
ويتابع ، أما الأستاذ صلاح منتصر يصفهما معا من خلال عمله معهما في أخر ساعة وفي الأهرام ، منذ بدأ مشواره الطويل ، وحيث انتهى ، غفر الله له ، يقول : “كنت محظوظا للغاية لأنني كنت تلميذا لمدرستين صحفيتين شديدتا التميز والتنوع في الصحافة ، مدرسة الأستاذ حسنين هيكل ، ومدرسة الأستاذ أحمد بهاء الدين ، وكنت دائما ما أقول أن هناك مدرستان ، الأولى : مدرسة حسنين هيكل ،وهي مدرسة كانت أحيانا تصيب الصحفي باليأس من أن يصبح صحفيا كبيرا مثله ، وذلك من فرط قوة وتشعب وكثرة اتصالات هيكل داخليا وعربيا ودوليا على السواء !
ويضيف النويشي، أما المدرسة الثانية التي تعلمت في رياضها وفصولها فنون الصحافة كانت مدرسة الأستاذ أحمد بهاء الدين ، وهي على العكس من مدرسة هيكل ، كانت تشعر الصحفي بالأمل ، لأنه استطاع عبر مجموعة من الاتصالات البسيطة – مقارنة بهيكل – ومع القراءة المتأنية الواسعة والثقافة العميقة أن يصبح هذه القامة الصحفية العظيمة . بحسب تحقيق : ” في مدرسة الأهرام كانت لنا أيام ” بمناسبة الاحتفال بمرور 141 عاما على ميلاد الأهرام ..
ويتابع النويشي، والأستاذ فهمي هويدي له تجربة ثرية وحاشدة مع الأستاذين هيكل وبهاء ، والاثنين احتضناه في الأهرام أو في الخارج ، في مجلة العربي الكويتية ، رغم الاختلاف الفكري الذي يحكمهم جميعا …….
ويضيف النويشي، وعن الفرق بين هيكل وبهاء سٌئِل الأستاذ فهمي هويدي فقال : الخلاف كان موجودا مع الأستاذ هيكل ، ولكن أن تختلف مع عاقل فهذا لايقلقك ، لأنك تعرف حدودك ، وتعرف متى تتكلم ، وعم تتكلم ؟.والأمر نفسه بالنسبة للأستاذ أحمد بهاء الدين ، فالاثنان وطنيان ومهنيان وحكيمان ، الطامة الكبرى في التعامل مع الحمقى وأنصاف المواهب والمتطرفين !
ويختتم النويشي عرضه قائلاً: بدأ الصديقان المشوار معا ، هيكل في ” الجازيت ” وبهاء في ” الفصول ” التي يملكها الكاتب الكبير محمد زكي عبدالقادر ، هيكل دخل على صحافة الخبر ، فبقي وفيا لها حتى نفسه الأخير ،ورغم أنه كان أعظم رئيس تحرير في مصر والشرق الأوسط ، وكان وزيرا ومشاركا في الحكم مع الرئيس عبدالناصر، ورفض منصب نائب رئيس الوزراء ومستشار الأمن القومي أيام السادات ، إلا أنه لم يكن يقبل أن يناديه أحد إلا بصفته الأولى وهي المخبر الصحفي ” الجورنالجي ” أو ” الأستاذ ” .
وأما الأستاذ ” بهاء ” بدأ مشوار الصحافة من خلال صحافة المقالات والتحليلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولم تشغله صحافة الخبر كثيرا ، ولهذا كان يقضي سحابة النهار في ضيافة الرئيس السادات ، ويعود للأهرام وهو رئيس التحرير ليسأله رئيس قسم الأخبار عن ” المانشيت ” أو أخر أخبار التغيير الوزاري وحركة المحافظين ، فيرد عليه : لم ألتق بالرئيس لجلب الأخبار، أنا كنت بأتغدى معه فقط !!
ويؤكد النويشي أنه قد تتشابه التجارب لتشابه المشاوير ، ولهذا تختلف النتائج لاختلاف تجارب التاريخ ، ربما تتقارب وتتشابه لكنها لا تتماثل !! .






