بيئة وتنمية
منتدى الجامعات الخضراء بالأقصر يرسم خريطة التحول المستدام
جلسات علمية وشراكات دولية لبناء «العقول الخضراء» ومواجهة التحديات البيئية والمناخية

كتبت: وفاء فراج
شهدت المدينة الشبابية بمحافظة الأقصر زخمًا علميًا وتفاعليًا لافتًا، خلال فعاليات اليومين الثاني والثالث من المنتدى الرابع عشر للجامعات الخضراء، والذي يُعقد ضمن أنشطة الفوج الثاني لبرنامج «قطار الشباب»، ويحمل اسم «دورة العالم الجليل الأستاذ الدكتور مجدي علام»، وينظمه الاتحاد العربي للشباب والبيئة في الفترة من 12 إلى 19 ديسمبر 2025، تحت شعار «التحول إلى الجامعات الخضراء». ويشارك في المنتدى نحو 250 شابًا وفتاة من طلاب الجامعات العربية، بمشاركة جامعة العبور كضيف شرف، وبرعاية جامعة الدول العربية ووزارة الشباب والرياضة، وبتوجيهات الدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، في إطار تنفيذ توصيات مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب، ودعم التوجه الإقليمي نحو التنمية المستدامة وبناء أجيال واعية بقضايا البيئة والمناخ. اكد المنتدى، من خلال تنوع جلساته وورش عمله، أن التحول إلى الجامعات الخضراء لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لصناعة مستقبل عربي وإفريقي أكثر استدامة، يقوده شباب واعٍ يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التغيير.

جلسات فكرية وورش تدريبية لمواجهة التحديات البيئية ركزت جلسات العمل وورش التدريب بالمنتدى على توحيد الجهود العربية للتحول إلى الجامعات الخضراء، وطرح حلول ابتكارية للتحديات البيئية الراهنة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ويعزز الربط بين العمل الأكاديمي والتطبيق المجتمعي. في الجلسة الافتتاحية، أكدت الدكتورة بثينة الحاجي، المقرر العام للمؤتمر، أهمية الشراكات والتمويل في دعم تحول الجامعات إلى النظم الخضراء، مشددة على ضرورة التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، ودمج قضايا الاستدامة في التعليم والبحث العلمي، بما يخدم المجتمع ويحقق أثرًا ملموسًا على أرض الواقع.
الاستدامة.. جذور فكرية وأبعاد متكاملة
من جانبه، استعرض الدكتور عماد عدلي الخبير البيئي، الجذور الفكرية لمفهوم الاستدامة، موضحًا أن أول برنامج للاستدامة بالجامعات أُطلق عام 1989، مؤكدًا أن الاستدامة تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية: البيئي، والاقتصادي، والاجتماعي. وأشار إلى الدور الحيوي للشركات والتعاون المؤسسي في تحقيق أهداف الاستدامة، وأهمية الشراكة بين القطاع الخاص ومؤسسات الدولة، فضلًا عن دور المؤسسات الدولية في دعم هذا التوجه، مستشهدًا بتجربة الجامعة البريطانية في مصر التي تنظم مؤتمرات مرتبطة بقضايا المناخ وتعزيز الشراكات الدولية منذ عام 2022، مؤكدًا أن التكامل بين الدولة والجامعة هو حجر الزاوية في هذا الملف.
«غضب المناخ» والتربة أساس الأمن الغذائي
بدوره، تناول الدكتور مجدي علام، خبير البيئة والمناخ، التحديات المتسارعة للتغير المناخي، محذرًا من حالة «غضب شديد» يمر بها النظام البيئي العالمي، ومؤكدًا أن التربة السليمة تمثل أساس الأمن الغذائي، ولا يمكن تحقيق الاستدامة الزراعية دون حمايتها من التلوث. كما تطرق إلى مخاطر تلوث الهواء وأهمية ما أطلق عليه مثلث الحياة: الطاقة والمياه والهواء، مستعرضًا الأزمات البيئية العالمية وعلى رأسها ذوبان القمم الجليدية، وأثرها المباشر على الموارد المائية والغذاء. وأشار إلى نجاحات مصر في المجال الزراعي، موضحًا امتلاكها 9 من كل 10 أنواع زراعية رئيسية، إلى جانب إدخال أنواع نباتية جديدة، مؤكدًا أن خفض التلوث مسؤولية جماعية.
بناء العقول الخضراء من التعليم إلى التطبيق
وفي جلسة بعنوان «تنمية العقول الخضراء – المناهج والبحث العلمي»، شددت الدكتورة ريهام رفعت محمد، أستاذ التربية البيئية وعميد كلية الدراسات العليا والبحوث البيئية السابق بجامعة عين شمس، على ضرورة دمج مفاهيم الاستدامة البيئية في الجامعات من خلال خضرنة المقررات والمقار الجامعية، ووضع خارطة طريق واضحة لبناء العقول الخضراء. وأوضحت أن التحول الحقيقي يبدأ بإعادة تشكيل الطالب عبر مدخلات أساسية تشمل التفكير الأخضر، والتعليم الأخضر، وخدمة المجتمع، مع الانتقال من الطرح النظري إلى التطبيق العملي لممارسات الاستدامة داخل الجامعات، مؤكدة أن الجامعات تمثل الطريق الرئيسي لقيادة المستقبل المستدام وضمان صحة الإنسان والكوكب.
تحديات المياه والطاقة والتكنولوجيا الخضراء
قدم الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، محاضرة علمية مدعمة بالأرقام حول التحديات المائية في مصر، موضحًا أن معدل سقوط الأمطار لا يتجاوز 18 مليار متر مكعب سنويًا، مع تراجع نصيب الفرد من المياه العذبة بسبب الزيادة السكانية. وأكد اعتماد مصر الأساسي على مياه نهر النيل، وما يمثله ذلك من تحدٍ استراتيجي، مشيرًا إلى جهود الدولة في إعادة استخدام نحو 25 مليار متر مكعب من مياه الصرف، وإنشاء محطات معالجة كبرى مثل محطة بحر البقر، إلى جانب التوسع في تحلية المياه والزراعة الذكية والصوب الزراعية لترشيد الاستهلاك.

كما تناول الدكتور عطية الطنطاوي، عميد كلية الدراسات الإفريقية العليا بجامعة القاهرة، دور التكنولوجيا الخضراء والرقمنة في تقليل الانبعاثات، مؤكدًا أن التحول للطاقة النظيفة والزراعة الذكية ونظم الري الحديثة يمثل مدخلًا أساسيًا لمواجهة التغيرات المناخية وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري.
البصمة الكربونية والبحث العلمي في صدارة النقاش
أكدت الدكتورة جيهان البيومي، أستاذة الجغرافيا السياسية وعضو مجلس النواب، أهمية تفعيل البصمة الكربونية ودمج القضايا البيئية في السياسات العامة، فيما شددت الدكتورة ناهد رواس، أستاذة الجغرافيا البشرية بجامعة لبنان، على توجيه البحث العلمي لخدمة القضايا البيئية، وبناء مشروعات تطبيقية داخل الجامعات تسهم في مواجهة التغير المناخي.
السياحة البيئية وورش الحفاظ على الموارد
على هامش المنتدى، نظم الاتحاد العربي للشباب والبيئة، بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، برنامجًا سياحيًا وثقافيًا ضمن «برنامج اعرف بلدك»، شمل زيارة معابد الكرنك وحتشبسوت وهابو، وحفل الصوت والضوء، حيث عبّر المشاركون عن إعجابهم بالحضارة المصرية، ودعوا إلى زيارة مصر تحت شعار «زور مصر.. مصر أحلى».
كما نُظمت ورش عمل فنية وتطبيقية بالتعاون مع شركات مياه الشرب والصرف الصحي، لتدريب الشباب على أعمال السباكة وترشيد استهلاك المياه، إلى جانب ورش خاصة للسيدات لتعزيز دور المرأة في الحفاظ على الموارد المائية، ودعم جهود الدولة في هذا القطاع الحيوي.
التخطيط الاستراتيجي ورؤية مصر 2030
في ختام الفعاليات، استعرض عمرو بيومي، مدير إدارة المشاركة المجتمعية بالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، مفهوم التخطيط الاستراتيجي وأهدافه، وعلاقته برؤية مصر 2030، مؤكدًا دور الفرد والمجتمع في تحقيق التنمية المستدامة، وتحويل الخطط إلى برامج تنفيذية قابلة للتطبيق.






