عزة الحسيبي تكتب: تهنئة الإخوة المسيحيين.. بين سماحة الإسلام وتشدد مدعي الغيرة على الدين

ليست القضية في تهنئة تقال ولا في كلمة عيد سعيد ولا في مشاركة إنسان فرحة إنسان آخر بل في الفهم الذي يقف خلف الموقف وفي القلب الذي يظن أن الدين جاء ليقسّي لا ليهذّب.
فالإسلام لم يبدأ يومًا بالتحريم قبل التعارف ولا بالمنع قبل الرحمة ولا بالقسوة قبل العدل بل بدأ بإنسان يحمل رسالة وبأخلاق جعلت الناس تقترب قبل أن تسلم.
حين نُهنئ إخوتنا المسيحيين بأعيادهم لا نبدّل عقيدتنا ولا نساوم على إيماننا ولا نخلط بين الثوابت والمشاعر الإنسانية بل نمارس أبسط معاني حسن المعاملة التي حرص عليها الإسلام دينًا يعلمنا أن نشارك الناس أفراحهم وأن نواسيهم في أحزانهم وأن نحفظ كرامتهم قبل أن نناقش معتقدهم فقد كرّم الله بني آدم جميعًا ولم يضع لهذا التكريم شرطًا عقديًا.
العجيب أن بعض القلوب التي تدعي الغيرة على الدين لم تتعلم بعد أن القسوة لا تحمي العقيدة وأن الغلظة لا تُقنع أحدًا وأن الله نفسه قال لنبيه “ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك” فكيف يجرؤ من بعده على اتخاذ الفظاظة منهجًا والقسوة طريقًا ثم يزعم أنه ينصر الدين إنما ينفر الناس منه ويشوّه صورته وهو لا يشعر؟
الأخطر من ذلك أن تتحول الفتوى إلى سلاح يُشهر في وجه المجتمع دون علم ودون فقه ودون خوف من الله فالفتوى ليست منشورًا عابرًا على مواقع التواصل ولا رأيًا يُقال تحت تأثير الغضب أو التعصب الفتوى أمانة والفتوى بغير علم حرام وهي كبيرة إذا كانت خاطئة لأنها افتراء على الله وإساءة للإسلام وتشويه لدين بريء من الجهلاء ومدعي العلم وكل من يفتي بلا علم يتحمل وزر من أضلهم بكلماته.
ثم نقف متعجبين من ازدواجية لا يريد أصحابها الاعتراف بها نرفض أي عنصرية تُمارس ضد المسلمين في الشرق أو الغرب ونغضب وهو غضب في موضعه حين يُساء إلينا ونطالب بالاحترام ثم نمارس الإقصاء والتعالي على غيرنا ونسمي ذلك تمسكًا بالدين بينما الدين في حقيقته براء من كل عنصرية وكل كراهية وكل استعلاء.
ألا نفرح حين نرى دولًا وشعوبًا تحترم المسلمين وتحترم عقيدتهم؟ ألا نطالب بالحرية الدينية والاحترام المتبادل؟ فلماذا نضيق بما نطلبه لأنفسنا؟ وكيف نريد من العالم أن يحترم عقيدتنا ونحن لا نحترم عقائد الآخرين؟
إن هذه المعادلة الأخلاقية البسيطة هي جوهر التعايش وهي أول الطريق إلى أن يكون للدين أثر في القلوب لا مجرد شعارات.
وقد رسم القرآن طريق الدعوة بوضوح لا لبس فيه “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، فالحكمة لا تولد من التعالي والموعظة لا تخرج من قلب قاس والدين لا يدافع عنه بالصراخ ولا بالتخوين ولا بتقسيم الناس إلى فسطاطين. الدين يُمثّل بأخلاق أهله لا بحدة أصواتهم،
ومن الظلم البالغ أن يتهم علماء الأزهر وشيخه بالمجاملة أو التفريط لمجرد أنهم اختاروا الاعتدال ورفضوا التشدد وكأن الرحمة صارت تهمة وكأن الوسطية خيانة من لا يحترم العلم سيصنع لنفسه فهمًا خاصًا للدين ثم يتهم الجميع بالجهل وهو أول الجاهلين: “لكم دينكم ولي دين”، “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”.
وفي النهاية لسنا أوصياء على الناس ولسنا قضاة على قلوبهم ولسنا مسؤولين إلا عن أنفسنا وعن أخلاقنا وعن صورتنا أمام الله. أما الإسلام فسيظل دين عدل ورحمة وإنسانية أكبر من تشدد المتشددين وأصدق من ضجيج مدعي الغيرة وأطهر من كل من أساءوا تمثيله وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا.


