عزة الحسيبي تكتب: السلبية المجتمعية .. جريمة صامتة نصنعها بأيدينا

أخطر ما يهدد أي مجتمع ليس الفقر ولا الجهل ولا حتى الفساد الظاهر،
بل السلبية…
تلك الحالة التي نرى فيها الظلم بأعيننا، ونسكت،
نعرف الحق، ونتجاهله،
نخاف من إغضاب الآخرين أكثر من خوفنا من خيانة ضمائرنا.
السلبية موجودة داخل العائلات،
حين يُظلم فرد، ويصمت الجميع بحجة “مش عايزين مشاكل”.
موجودة داخل الشركات والمؤسسات،
حين نرى الفساد ونسكت خوفًا على الوظيفة أو المنصب.
موجودة داخل المجتمع كله،
حين نشاهد العنف، والقهر، والظلم، ونقول: “ماليش دعوة”.
نرى زوجًا يضرب زوجته، فنغضّ الطرف لأن “الأمر لا يخصنا”،
ثم نفاجأ بجريمة قتل.
نرى عائلة تعذّب أطفالها أو بناتها باسم التربية،
ثم نُصدم بانتحار، أو انحراف، أو موت بريء…
ونتساءل متأخرين: كيف حدث هذا؟
حدث لأننا سكتنا.
السلبية ليست حيادًا،
السلبية مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
من يسكت عن الظلم، يمنحه شرعية.
ومن يصفّق للباطل، يطيل عمره.
ننتقد العالم وحكوماته على الظلم الواقع على فلسطين،
وننسى أننا نظلم بعضنا كل يوم،
نقهر القريب، وننافق القوي،
نخاف من اتخاذ موقف،
ونبرر الجبن بالحكمة،
والخنوع بالعقلانية.
نريد مجتمعًا راقيًا خاليًا من الجريمة والحقد والكوارث؟
لا… وألف لا.
لن نحصل عليه ونحن نخاف من قول الحق،
ونهاجم الشجاع،
ونتهمه بالتهور،
بدل أن نصفق له ونكافئه.
التغيير ليس رفاهية،
التغيير فرض.
فرض علينا أن نكون أقوياء،
أن نحترم من يقول “لا” في وجه الخطأ،
أن نحمي من يواجه الفساد بدل أن نخذله.
هذا الحديث ليس موجّهًا للجميع،
بل للسلبيين،
للمتفرجين،
للجبناء الخانعين الذين اختاروا السلامة على حساب العدالة.
وفي المقابل،
كل التحية لكل بطل شجاع قال الحق ولم يخف،
لم يصفق للباطل،
وناصر الشريف.
هم من زرعوا الأمان في قلوبنا
بأن الخير ما زال موجودًا،
حتى وإن كان قليلًا،
حتى وإن حاصره الظلم،
حتى وإن خُنق بالصمت والتخاذل.
هم الدليل الحيّ على أن هذا المجتمع لم يمت بالكامل،
وأن الضمير لم يُدفن بعد،
وأن صوت الحق قد يُحارب… لكنه لا يُهزم.
بهم نتمسك بالأمل،
وبمواقفهم نتعلّم أن الشجاعة ليست صراخًا،
بل وقفة حق في لحظة صمت جماعي.
فهؤلاء وحدهم من يستحقون أن يُبنى بهم وطن ويبني بهم مجتمع سليم .


