رأى

عالم ورق .. !

بقلم : محسن خالد

عندما تخيلت إن كل سنة من سنوات عمرى ورقة، ومع كل عيد ميلاد لى تسقط هذه الورقة دون رجعة، وتصبح ذكرى فى مذكرات حياتى، وقتها تأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن ورق سنينى وقع منى وولى، بل وأن العمر إتسرق منى وعدى، وأنا لازلت نائم على المخده!!

فعندما هممت لكى ألملم ذاكرة أوراقى التى سقطت منى وأنا لاهىٍ فى الجرى وراء متاع دنيا زائلة، بدأت أجمع الذكريات المتناثره التى بعثرتها عواصف السنين العاتيه فى كل مكان هنا وهناك، فى عدة بلاد أوروبية وعربية، ومع العديد من الجنسيات والديانات المختلفه، وجدت أوراق كثيره لا أعرف ما بداخلها من ذكريات وحكايات، هل هى واقع عشته حقا؟

أم أنها أيام وأحداث ولدت وكبرت من نسج خيالى، ولا أقدر على مواجهتها أو حمايتها وحدى؟

وبعد صراع بينى وبين نفسى قررت أن أفتح ذاكرة أوراقى وأقرأها ورقة ورقه، ولا أترك حرفاً منها إلا بعد أن أتذكر معناه وأحداثه.

وفجأه حدث ما لم يكن فى الحسبان، فجأه فتحت نافذه حياتى من غير عمد فتطايرت كل أوراقى، وأخذت معها معظم أحلامى وطموحاتى وذكرياتى وأمنياتى، ووجدت نفسى أمام مرآة أفكر بصوت عالى وأتمتم مزهولاً :

يامحسن كيف تخطيت فجأةً سن الثالثة والستين ولديك الكثير من أمراض الشيخوخة؟

لكن رقم ثلاثة وستين رقم كبير، لم أكن أسمع عنه من قبل ولم أتخيل أنه من الممكن أننى سوف أصل إليه فى يوم من الأيام !!

فياحسرتى على ماضاع من ورق عمرى هدراً، وأنا أنظر إلى الأيام وكأنها تقع وتسرق منى وتحتضر أمامى، وحياتى لا أعرف لها معناً ولا أنتظر منها أن تربت على كتفى أو تحتضنى .

حاولت من الأوراق أن أستعرض مامضى من سنين عمرى وما حدث بها من شريط الذكريات، وطبعا من الزهايمر لم أتذكر سوى اللحظات التى تحول نداء الناس فيها لى من ياولد إلى ياكابتن إلى ياأستاذ إلى ياعمو إلى ياوالدى ثم ياجدو وأخيراً ياحاج ..

فلقد حدث معى بالفعل من بعض الباعة الجائلين والعمالة والصنايعية عندما يتحدثون معى فيقولون لى ياحاج، وبعض الشباب والمراهقون يقولون لى ياعمو، ثم إزداد الأمر سوء عندما تأسف لى رجل كبير وهو أحد المرؤوسين منى بالعمل وقال لى :

ماعلش إنت زى والدى !!

– هل وصلت إلى المرحلة التى قد يقف بعض الشباب المهذبون لى فى وسائل الموصلات كى أجلس مكانهم؟

– وهل أبدو كسخيف إذا هرولت بالطريق لأحمل أكياس ثقيلة عن سيدة مسنة لاتقوى على حملها؟

– وهل أجلب لنفسى سخرية إذا هرعت فى شهامة لأساعد كفيف لكى يعبر الطريق؟

– وهل أكون مصدر إستغراب لدى الناس إن أسرعت لمساعدة من تعثر بالطريق لكى يقف على قدميه؟

الشاهد أننى من ذاكرة الأوراق تأكدت أننى مع مرور السنوات تغيرت كثيراً، وأصبحت أحب ماكنت أكره، وربما كرهت ماكنت أُحب، وأصبحت أنسى ما تعلقت به، بل وتمضى الحياة لتجعل منى شخص آخر لا يشبهنى أبداً..

أحيانا تمنيت لو بقيت طفلاً، ربما لأن ذاكرتى لم تكن تحمل الكثير من الهموم، أو لم تكن تعى كل هذا الخبث من بعض البشر خصوصاً فى الفترة الصعبة الحالية، بعد فيروس كورونا وحرب روسيا أوكرانيا وحرب السودان، وتعويم الجنيه أكثر من مره..

حقاً أنا أصبحت إنسان بلا روح، أعيش كل فصول العمر وكأنها فصل خريف تتساقط فيه الأوراق ورقة وراء ورقه !!

لكن لابد وأن تصدر عدالة السماء حكمها وتعيد فصول العمر الأربعه لحياتى وتزهر الأزهار مرة أخرى بألوانها المبهجه الرائعه وتغرد الطيور بأصواتها الجميله فوق البحر من أمام شرفة غرفتى بالأمل والسعادة وتعيد لى نور الحياة وبهجتها .

وخلصت إلى أربعة نتائج وهى :

1- أننى خلقت لأعبد الله وحده لا شريك له، وأكون حامداً شاكراً له على كل حال، إلا حال أهل النار، هذه العبادة تطابق الرحمة، فهو تعالى خلقنا ليرحمنا، خلقنا لنسعد به، وننعم بقربه، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض .

2- أن الدنيا مدرسة كبيرة مهما تفوقت فيها فلن أنال إلا شهادة وفاة .

3- أن أقصى ما يستطيع كل البشر ولو إجتمعوا أن يفعلوه معك هو ما كتبه الله لك .

4- أن آخرتى قد سطرتها بيدى ومن أعمالى فى دنياى ..

اللهم فى هذا الصباح المبارك حسّن فى أعمالنا كلما أطلت فى أعمارنا، وبارك لنا فى أعمارنا وأعمالنا، وأولادنا، وأحفادنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وأوقاتنا، وأموالنا، وإجعلنا مباركين أينما كنا، اللهم إجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم إغفر لنا ما مضى وأصلح لنا ما بقى، اللهم إجعل يومنا هذا خيراً من أمسنا، وإجعل غدنا خيراً من يومنا، وأحسن عاقبتنا فى الأمور كلها، وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً وأعدنا إلى رحابك، وخذ بنواصينا إلى طاعتك ورضوانك، وبارك لنا فيما تبقى لنا من أعمارنا، وأغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، وسدد فى الخير مسيرتنا، ولا تقبض أرواحنا إلا وأنت راضٍ عنا، وأرزقنا حسن الخاتمة، وصل اللهم وسلم وزد وبارك وأنعم وأكرم على سيدنا وحبيبنا

ونبينا ومصطفانا وشفيعنا بإذنك محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى