د. نجلاء سعد البحيري تكتب: ذوو الهمم في مصر: بين التشريع والتطبيق
د. نجلاء سعد البحيري
في قلب الجمهورية الجديدة التي تبنيها مصر تحت قيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يتضح أن التنمية الشاملة لا تكتمل إلا بتمكين جميع فئات المجتمع، خاصة ذوي الهمم، الذين يشكلون نحو 10.64% من إجمالي عدد السكان، بما يقرب من 11 مليون مواطن وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2022. هؤلاء المواطنون يستحقون حياة كريمة تتوافر فيها حقوقهم الأساسية، بدءًا من التعليم والرعاية الصحية، مرورًا بالتوظيف، وصولًا إلى التنقل والمشاركة المجتمعية.
إشادة بدور القيادة السياسية
أولت القيادة السياسية اهتمامًا استثنائيًا بقضية ذوي الهمم، وهو ما تجسد في عدة خطوات ملموسة:
- إصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، والذي يؤكد التزام الدولة بضمان حقوق هذه الفئة في جميع المجالات.
- إنشاء صندوق “قادرون باختلاف” بتمويل 10 مليارات جنيه، لدعم برامج الدمج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي.
- تنظيم مؤتمرات واحتفالات سنوية تحت رعاية الرئيس، مثل احتفالية “قادرون باختلاف”، التي تتيح لقاء الرئيس بشباب ذوي الهمم وتأكيد مشاركتهم الفعالة في مسيرة التنمية الوطنية.
هذه المبادرات تؤكد التزام الدولة المصريّة بجعل ذوي الهمم شركاء فاعلين في بناء الجمهورية الجديدة، وليس مجرد مستفيدين من برامج الدعم.
التحديات على أرض الواقع
رغم التشريعات والمبادرات، لا يزال ذوو الهمم يواجهون عقبات كبيرة تمنعهم من الاستفادة الكاملة من حقوقهم:
1. بطاقة الخدمات المتكاملة:
تمثل بطاقة الخدمات المتكاملة أحد أهم الحقوق التي يكفلها القانون، لكنها تواجه مشكلات عملية:
إجراءات معقدة: تمر عملية الحصول على البطاقة بعدة مراحل، بدءًا من الحجز الإلكتروني، مرورًا بالكشف الطبي، وانتهاءً بانتظار إصدار البطاقة، مما قد يستغرق أكثر من عام.
توقف المعاشات عند انتهاء البطاقة: يؤدي عدم تجديد البطاقة في الوقت المناسب إلى إيقاف المعاشات، ما يضع الأسر في مأزق مالي.
تكاليف إضافية: تجديد البطاقة يتطلب تقديم تقارير طبية جديدة، ما يشكل عبئًا على الأسر ذات الدخل المحدود.
2. الاعتراف بالبطاقة:
رغم أهميتها، لا تحظى البطاقة بالاعتراف الكامل من جميع الجهات:
رفض بعض المؤسسات: بعض الجهات الحكومية والخاصة ترفض البطاقة بحجة عدم وجود تعليمات واضحة، رغم أن القانون يكفل حقوق حاملها.
عدم تفعيل المزايا: حتى عند قبول البطاقة، غالبًا ما تكون المزايا المقررة غير مطبقة بالكامل، بما في ذلك التوظيف وتسهيلات التنقل.
3. تطبيق القانون على أرض الواقع:
رغم وجود تشريعات قوية، يواجه تطبيقها تحديات ملموسة:
غياب الوعي بحقوق ذوي الهمم: يفتقر عدد من المسؤولين إلى المعرفة الكافية بالقوانين، مما يؤدي إلى تهميش هذه الفئة في بعض الحالات.
نقص البنية التحتية الملائمة: كثير من المنشآت العامة والخاصة لا توفر ممرات للكراسي المتحركة، أو لا تحتوي على لافتات بلغة الإشارة، أو وسائل نقل مناسبة.
المطالبات بتفعيل الحقوق
من منطلق المسؤولية الوطنية، هناك عدة خطوات عاجلة لضمان استفادة ذوي الهمم من حقوقهم:
تبسيط إجراءات الحصول على البطاقة: تقليل عدد الخطوات والمدة الزمنية اللازمة لاستصدار البطاقة.
ضمان تفعيل المزايا كاملة: مثل تخصيص 5% من الوظائف لهم، تخفيض ساعات العمل عند الحاجة، وتوفير وسائل نقل ملائمة.
زيادة الوعي المجتمعي والمؤسسي: تنظيم حملات توعية للمسؤولين والجمهور بحقوق ذوي الهمم وأهمية دمجهم في الحياة العامة.
كلمة أخيرة
تمكين ذوي الهمم ليس منّة، بل حق أصيل وواجب وطني على الدولة والمجتمع. لن يكتمل بناء الجمهورية الجديدة إلا بمشاركة جميع أبنائها، دون تمييز أو إقصاء. لذلك، يتعين على جميع الجهات المعنية تكثيف الجهود لتذليل العقبات أمام ذوي الهمم، وضمان حياة كريمة لهم، تتوافق مع مكانتهم في المجتمع، وتحقق أهداف التنمية الشاملة التي تسعى إليها مصر.
مدرس بجامعة قناة السويس، متخصص في الشأن المحلي والإقليمي





