تحقيقات
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في الفقه والمذاهب الأربعة
لا تلتفتوا لدعوات التحريم بالاحتفال

تحقيق: راجية محمد
“لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”. آل عمران -164
الولادة: الإثنين، ربيع الأول 53 ق هـ/أبريل 571م مكة المكرمة.
الوفاة: الاثنين، ربيع الأول 11 هـ/ يونيو 632 م المدينة المنورة. |
ساعات قليلة تفصلنا على حلول ذكرى المولد النبوي الشريف ﷺ، وتشتهر بعض المدن والمحافظات المصرية بعادات وتقاليد مختلفة. ويتميز الاحتفال بالمولد النبوي داخل مصر بإقامة حلقات للذكر والجلوس والاستماع إلى المنشدين والمداحين في ساحات مساجد آل بيت رسول الله ﷺ، بالإضافة إلى إخراج الصدقات، وشراء الحلوى، والاستمتاع بها، كذلك شراء عروسة المولد للفتيات والحصان للأولاد. وترجع بداية الاهتمام بالمولد النبوي عندما كان النبي محمد يصوم يوم الاثنين ويقول “هذا يوم ولدت فيه”، وبعدها بدأ الكثير الاحتفال بمولد سيد المرسلين وخاتمهم.
اختلفت وجهات أنظار الفقهاء في قضية الاحتفال بالمولد النبوي، فرأى بعضُهم أنها من البِدعِ التي ليس لها أصلٌ في الشرعِ، ومن هؤلاء الإمام الشاطبي الذي أصَّل للبدعة في كتابه الاعتصام، وذكر من أمثلة البدع التي ليس لها أصل بدعة الاحتفال بالمولد النبوي؛ فإنه لم يحتفل بها أهل القرون الفاضلة الأولى، وليس هناك دليل على أن لها ثوابا أو فضلا في الشرع.
ويرى فريق آخر من العلماء أنها من البدع التي لها أصل في الدين، ولهذا فهي مقبولة، يُثاب فاعِلُها، ومن هؤلاء الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد سُئل عن الاحتفال بالمولد فقال: “أصل عمل المَولد بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسنَ وتجنب ضدها، كان بدعة حسنة وإلا فلا، قال: وقد ظهر لي تخريجُها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من «أن النبي ﷺ قدِم المدينةَ فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجَّى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى»، فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم مُعَيَّن من إسداء نعمة أو دفع نِقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سَنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيُّ نعمة أعظمُ من النعمة بِبُروز هذا النبيِّ نبي الرحمة في ذلك اليوم؟
وممن كان يرى الاحتفال بالمولد النبوي الإمام ابن الجزري، إمام القراءات، وألَّفَ فيه كتابا سماه: “عَرف التعريف بالمولد الشريف”، قال فيه: “وكان مولده ﷺ بالشِّعب، وهو مكان معروف متواتر عند أهل مكة، يخرج أهل مكة كل عام يوم المولد ويحتفلون بذلك أعظم من احتفالهم بيوم العيد، وذلك إلى يومنا هذا. وقد زُرته وتبركتُ به عام حجتي سنة اثنين وتسعين وسبعمائة”.
مما سبق يتبين أن الاحتفالَ بالمولد النبوي بِدعة بالمعنى اللُّغوي، إلا أنه ليس بدعة بالمعنى الشرعي، وهو أنه ضلالة ومردود على صاحبه، عند كثير من أهل العلم المعتَبَرين.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي في المذاهب الأربعة
لا يخلو مذهب من المذاهبِ الأربعة من مجموعة من العلماء قالوا باستحباب الاحتفال بالمولد النبوي، منهم:
المذهب الحنفي: قال الإمام ابن عابدين -رحمه الله- في شرحه على مَولد ابن حجر: “أعلم أن من البدع المحمودة، عمل المولد الشريف من الشهر الذي وُلد فيه صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم”.
وقال أيضاً: “فالاجتماع لسماع قصّة صاحب المعجزات، عليه أفضل الصّلوات، وأكمل التّحيات، من أعظم القُربات؛ لما يشتمل عليه من المعجزات، وكثرة الصّلوات”.
وفي المذهب المالكي: قال ابن الحاج في كتاب المدخل: “فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير؛ شكراً للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة، وأعظمها ميلاد المصطفى صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم”.
وفي المذهب الشافعي: قدَّمنا كلامَ الحافظ ابن حجر والحافظ السيوطي وأبي شامة وابن الجزري.
وفي المذهب الحنبلي: يرى الإمامُ ابنُ تيمية رحمه الله أن الاحتفال بالمولد بدعة سيئة، إلا أنها تشتمل على كثير من الخيرِ، فإذا كان المحتفلُ بها إذا تركها انشغل بالمعاصي والمنكرات، فإنه لا ينبغي أن يُنهى عنها؛ فإنه إذا نهى عنها مع ما فيها من الخير، انصرف الناس إلى الشر الخالص، فهذا من باب أن دفع المضرَّة مقدم على جلب المصلحة.
قال رحمه الله: “تعظيمُ المَولِد واتخاذه مَوسمًا، قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحُسن قصده، وتعظيمه لرسول الله ﷺ. ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأُمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك، فقال: دعهم؛ فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط. وليس مقصودُ أحمد هذا، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كُره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا بفسادٍ، لا صلاحٍ فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور، من كتب الأسمار أو الأشعار ، أو حكمة فارس والروم”.







