ودعنا عاما ونستقبل آخر جديدا من رأس السنة الهجرية، وقد اتفق المسلمون فى صدر الإسلام على أن يكون بداية تاريخهم يوم هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة وجعلوا أول سنتهم شهر المحرم، فالأشهر كانت معلومة عند العرب منذ زمن بعيد . وإذا كان فى الحياة أيام غر معلمة يقف عندها المرء وقفات طويلة يحرك ذهنه فيه ويسرح طرفه، فإن يوم الهجرة أشهرها وأزكاها، وأعزها وأقواها، فقد اعتزم فيها الرسول الأعظم الخروج من بلده فرارا بإيمانه وعقيدته ومن إيذاء أهله وعشيرته وليس له فى ذلك عضد ولا معين، ولكنه يعتمد على الله القوى سبحانه وتعالى. ولقد تمت هجرة الرسول من مكة إلى المدينة فى اليوم الثامن أو الثانى عشر من شهر ربيع الأول، فهذا يوم الهجرة، ويصل الرسول فى سلامة الله ورعايته إلى مقر هجرته ودار نصرته، ويتغير وجه التاريخ ولا يعثرون على بغيتهم ولا يظفرون بها: “وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لايبصرون” إنها ذكرى جديرة بأن تنقش على قلب كل مسلم، لا ليذكرها حديثا يروى ولكن عملا يخلد، فيقتدى بصاحبها، ويتعلم منه صفات البطولة والصبر والكفاح المجيد . فيجب أن نستلهم من هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام الدروس التالية : ** قيمة الصداقة ومعانيها السامية لا تتحقق فى علاقة ينقصها الإخلاص المتبادل الذى يدفع بالصديق لكل قول أوعمل يقصد به صديقه ويعينه فى جميع مواقفه من رخاء أوشدة يتمثل ذلك فى اختيار أبى بكر رضى الله عنه ليكون مصاحبا للرسول عليه الصلاة والسلام فى رحلة الهجرة امتثالا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) ويقول الله تعالى “لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم“. فالله يصور خروج الرسول وهجرته انتصار لأنها فرار إلى الله والفرار إلى الله انتصار حتى ولو انتهى بالموت أو القتل (الذين هاجروا فى سبيل الله ثم قُتلوا أو ماتوا، ليرزقنهم الله رزقا حسنا إن الله لهو خير الرازقين). ** علينا التدقيق فى الاختيار، ففى هذه الرحلة العظيمة جهز راحلتين واختار الدليل وأوكل مهمة الإمداد بالطعام والمؤن لابنته أسماء (ذات النطاقين ). ** التخطيط من أهم الدروس التى يمكن أن نستفيدها فى حياتنا من هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام وتوزيع الأدوار فى أى عمل تقوم به على الذين تم اختيارهم لمشاركة الرسول فى هذه الرحلة . ** قوة الإرادة والتحمل ومواجهة الصعاب من أجل تحقيق الهدف النبيل الذى نسعى إليه . ** التضحية من أجل المباديء الكريمة العظيمة. ** نأخذ من هجرة الرسول الدراسة الهادفة حيث طبق سياسة بارعة فى المدينة تدل على عبقرية سياسية وعسكرية وادارية ويدل ذلك على الخطوات التى اتخذها ويتمثل ذلك فى : ا – آخى بين المهاجرين والأنصار وجعل بينهم مودة ووحدة متعاونة . ب أنهى الخلافات بين الأوس والخزرج فحل الوئام بينهم محل الخصام. ج- وضع دستورا لحكومته، يتضمن المبادىء التى ينادى بها الإسلام والتى فى مقدمتها الشورى والمساواة والعدل والأخلاق الفاضلة . د – عقد معاهدات مع اليهود تضمنت حرية العقيدة الدينية والاشتراك مع المسلمين فى صد أى عدوان يقع على مدينتهم . وهكذا علينا أن نحيى ذكرى الهجرة إحياء يرضى صاجبها الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام، فنجعل يومها برا بالفقراء، وعطفا على اللاجئين والغرباء الذين لجأوا إلينا، وأن يعمل العلماء منهم والمتعلمون على نشر أعمال صاحب الهجرة بين المسلمين لتكون نبراسا يهتدون بها إذا اشتدت الأزمات وتعقدت الأحوال.